يا مكة الخير
بي شوق يتيمني

إلى حماك ويستهوي
هواك دمي


فمن ثراك نما جسمي ومقدرتي

ورحمة الله جاءت بي من العدم


فكنت موطن أحلامي وتنشئتي

بين القداسة عبر
الأشهر الحرم


وحول كعبتك الغراء كم سبحت

نفسي وناجت لدى ركن وملتزم


نشأة مكـة :
يقال إن البقعة المباركة التي بنى عليها البيت العتيق (وقد ثبت علمياً ذلك) هي مركز الأرض ونواتها ومنها دحيت ، وأن الله سبحانه وتعالى لما خلق عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض ، نظر إلى الماء وتجلّى على الهواء ، فاضطرب الماء وخرج منه دخان خلق منه السماء ، وتزيد فوق الماء قطعة بل لمعة مقدار البقعة ، فجعلت الأرض منها ودحيت من جوانبها وأطرافها ، لذا سميت أم القرى ، ثم خلق الله الجبال أوتاداً ، أولها جبل أبوقبيس ، لذا سمي بأم الجبال ، ثم وقع البناء على تلك البقعة .
إن لهجرة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام إلى مكة مبدأ واضحا لتاريخ مكة ، ولسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكرها المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها كانت من الوضوح والصحة . لكنها كانت منقولة واستكملت بما أشار إليه الحديث والروايات ، وقد بذل المؤرخون قصارى جهدهم في التدقيق على النتائج التي ترتبت عليها نشأة مكة .
قدم إسماعيل مكة أول ما قدمها في صحبة أمه وأبيه، وقيل أن العماليق سكنوها قبل قدومه ، وأن إسماعيل لم يصلها حتى كانت جرهم قد حلت محل العماليق في ظروف لم تثبت كيفيتها في التاريخ .
وتتعدد روايات مؤرخي الإسلام في تفسير الظروف التي لابست هجرة إسماعيل مع أمه وأبيه وهي فلاة لا تنبع فيها قطرة ماء ، ولكنهم يتفقون على أن إبراهيم عليه السلام ما كاد يودع إسماعيل هذه القفار حتى توجه يدعو الله (ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم) كما يتفقون على أن إسماعيل عليه السلام ما كاد يرهقه العطش حتى ظهر لأمه نبع زمزم فشربت وأروته .
ولما كانت جرهم تسكن على مسافة قصيرة من مكة ، سمعت بخبر البئر ، فاستأذنت لتنقل بيوتها حول البئر واحتضنت إسماعيل فنشأ بينها وتعلم منها العربية وتزوج من فتياتها فأنجبت نسلا أطلق عليه المؤرخون اسم العرب المستعربة .
وجاء إبراهيم عليه السلام ليتفقد إبنه ويبلغه أن الله يأمر ببناء البيت الحرام ويتفقا على رفع قواعده ، حيث بدت لهم علامات خاصة في القطعة المختارة للبناء على خطوات من زمزم ( إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) .وهكذا أنشأ إسماعيل مكة ورفع أبوه بمعونته قواعد البيت . ولما توفى إسماعيل تولى الأمر أبناؤه حتى إنتهى إلى حفيده مضاض ابن عمرو الجرهمي وكانت مضارب السكان من الشعر ،وكانت تتلاصق مرة وتتباعد مرات في حواشي الوادي ، وبين ثنيات الجبال .
وحين استخفت جرهم بأمر البيت سلط الله عليهم قبيلاً من اليمن من أولاد قحطان فأزاحهم في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي ، وبذلك تم الفتح للقحطانيين بعد انهزام جرهم واستقام الأمر لهم في مكة ، وقام سيد خزاعة ربيعه بن حارثة بالأمر في مكة ، ثم يليه عمر بن لحي حتى آل الأمر إلى قصي بن كلاب في القرن الخامس الميلادي  .

الموقع :
تقع مكة على
خط طول 31 49 39 درجة شرقاً ، وخط عرض 15 25 21 شمالاً ، وترتفع بنحو 280 متراً عن مستوى سطح البحر ، وتمتد في سفوح جبال السروات وتحيط بها الجبال من جميع الجهات ، ومكة المكرمة تقع في مجموعة من الأودية المتخللة لهذه الجبال ، وتقع في واد ضيق هو وادي إبراهيم .

أسماء مكة المكرمة :
لمكة المكرمة أكثر من ثلاثين أسماء . ذكرها بالتفصيل العلامة ابن ظهيرة رحمه الله تعالى في كتابه "الجامع اللطيف" . والشائع منها أربعة وردت في القرآن الكريم وهي :
مكة وبكة وأم القرى والبلد الأمين .
مكة هي بلد الله الحرام ، ومهبط الوحي والملائكة الكرام ومأوى الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . تسمّيت مكّة المكرمة بهذا الاسم ؟ يقول أبو بكر بن الأنباري أن مكة سميت بهذا الاسم لأنها تمكّ الجبّارين أي تذهب نخوتهم، ويقال أيضاً أنها سمّيت مكّة لازدحام الناس بها ، وللسّبب ذاته يقال أنّها سمّيت بكة . ويقال أنّ مكّة سمّيت بهذا الاسم لأنّ العرب في الجاهلية كانت تقول بأنّه لا يتمّ حجّهم حتى يأتون الكعبة فيمكّون فيها ، أي يصفّرون صفير "المكّاو" ، وهو طائر يسكن الرّياض ( أي المزارع والحدائق )، ويصفّقون بأيديهم إذا طافوا حولها .
ويرى آخرون أنّها سمّيت مكّة لوقوعها بين جبلين يعلوانها ارتفاعاً ، وهي منهما تقع في " هبطة بمنزلة المكوك " ، كما سمّيت مكّة لأنه لا يفجر أحد بها أو يعتدي على حرماتها إلاّ وبكّت عنقه . ويقول البعض أنها سمّيت مكّة لأنها كانت مزاراً مقدّساً يؤمّه الناس من كلّ الأنحاء للتّعبّد فيه . وقيل أنّ بكّة هي موضع البيت الحرام ، وأنّ ما حول هذا البيت سمّي بمكّة .
ويقول الشّرقي : إنّ هناك خمسة أقوال غير ما ذكره الأنباري .
أولّها : أنّ لفظ مكّة مستمدّ من الثّدي " أي مصّه لقلة مائها " ، ذلك أنّهم كانوا يمكّون الماء أي يستخرجونه من الآبار .
وثانيها : أنّها سمّيت بهذا الاسم لأنها تمكّ الذّنوب أي تمحوها وتذهب بها كما " يمكّ " الرّضيع ضرع أمّه فلا يبقي فيه شيئاً .
 وثالثها : لأنها تمكّ كل من ظلم أو تجبّر أي تنقصه .
ورابعها : أنّها سميت بكّة لأنّ الأقدام تبكّ بعضها بعضاً .
وخامسها : أن بكّة هي موضع البيت الحرام ، وأنّ مكّة هي موضع القرية .

ويرى البعض أن اسم بكّة يطلق على الكعبة المشرّفة والمسجد الحرام معاّ ، وأنّ مكّة يطلق على " ذوي طوى " وهو بطن الوادي الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الفتح . وقد عرفت مكّة بأسماء أخرى منها: بكّة ، والنسّاسة، وأمّ رحم ، وأمّ القرى ، ومعاد ، والحاطمة ، والبيت العتيق ، والرأس ، والحرم ، وصلاح ، والبلد الأمين ، والبلد الحرام ، والعرش ، والقادس ، والمقدسّة ، والنّاسّه ، والباسّه ، وكوني ، ومذهب . وقد سمّاها الله أمّ القرى ( لتنذر أمّ القرى ومن حولها ) ، كما سمّاها البلد الأمين في قوله تعالى ( والتّين والزّيتون وطور سينين ، وهذا البلد الأمين ) ، وسمّاها أيضاً البلد حيث قال تعالى : ( لا أقسم بهذا البلـد ، وأنت حلّ بهذا البلد ) .

الحرم :
أول من نصب علامات على حدود الحرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، بإرشاد من جبريل تعظيماً وتشريفاً للبيت ، وقيل أن عدنان بن أد أول من وضع أنصاب الحرم ، ونصبها النبي عام الفتح ، وان أنصاب الحرم (علامات) موضوعة في حدوده حتى اليوم .
وأن الحرم هو ما يحيط بمكة "بلد الله الأمين" شرفها الله تعالى ، وسمى حرما لحرمة صيده ، وحرمة قطع شجره وحشيشه ونحو ذلك ، وهذا المحيط بمكة المسمى (بالحرم) وان ما يوضع من علامات للحد الفاصل بين الحل والحرام تسمى ( أعلام الحرم ) ليتجنب الناس فيه ما نهاهم الله ورسوله عنه .

خريطة توضح محيط دائرة الحرم

أحد الأعلام القديمة التي توضح حدود الحرم

وتحيط بمكة المكرمة ثلاث دوائر هي:
دائرة المسجد الحرام .
دائرة الحـرم .
دائرة المواقيـت .


فضل مكة المكرمة :
إن مكة المكرمة زادها الله شرفا ورخاء وأمنا وأمانا لها فضائل متعددة ، ومن فضائلها :
إنزال اسم مكة في كتابه العزيز في مواضع عديدة منها :-
قوله تعالى : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) ( 96 سورة آل عمران ) ، وقوله تعالى : (ومن دخله كان آمنا) ، وقوله تعالى (لتنذر أم القرى ومن حولها) ، وقوله تعالى (وهذا البلد الأمين) ، وقوله تعالى (وأنت حل بهذا البلد) .

مكانة مكة المكرمة :
تحظى مكّة بمكانة وقدسيّة لا تضاهى حين اصطفاها الله وكرّمها ببناء بيته الحرام في ربوعها لتكون قبلة للمسلمين وهدى للمتّقين ، ويقول تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابةً للنّاس وأمناً واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطّائفين والعاكفين والركّع السّجود )  ( 125 سورة البقرة ) . من دخلها كان آمنا : جعل الله تعالى من بيته الحرام مثابةً للنّاس وأمناً ، وأمر عباده المؤمنين بأن يتّخذوا من مقام إبراهيم عليه السّلام مصلّى يؤدّون فيه صلاتهم ركّعاً سجّداً خشوعاً لله وتقرّباً منه وابتغاء لمرضاته . وجعل الله من هذا البيت وما حوله ملاذاّ آمنا للنّاس . يقول الله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناّ وارزق أهله من الثّمرات ) ( 126 سورة البقرة ) ، ( ربّ اجعل هذا البلد آمناّ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ) . ويقول جلّت قدرته : ( ربّنا إنيّ أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةّ من النّاس تهوي إليهم وارزقهم من الثّمرات لعلهم يشكرون ) ( 2 سورة إبراهيم) ويقول تعالى : ( فليعبدوا ربّ هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ).